الشيخ محمد حسين الحائري

424

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

قد يقف على مدارك الفريقين فيترجح في نظره فتوى المفضول والحجة على جواز التقليد لا ينحصر في الاجماع والضرورة فلا يثبت المنع بمجرد عدم قيامهما على جواز تقليد المفضول مع قيام غيرهما عليه كما عرفت على أن الظاهر من المانعين على عدم جواز الرجوع إلى المفضول مع إمكان الرجوع إلى الأفضل ولو بالرجوع إلى من يروي عنه الفتوى وهذا يؤدي إلى عدم جواز التعويل على فتوى أحد في زمن المعصوم وما قاربه مع إمكان الرجوع إلى الرواية عنه بطريق الأولوية فيجب على المفتي حينئذ العدول عن ذكر الفتوى إلى نقل الرواية عند حاجة المستفتي ولا قائل به ظاهرا ورواية أبان بن تغلب السابقة كالصريح في نفي ذلك والسيرة المستمرة شاهدة على بطلانه مع ما في تعيين الأفضل من الضيق القريب من الجرح وبهذه الوجوه يمكن القدح في كون الشهرة المدعاة في المقام قادحة في عموم الأدلة فالقول بالجواز إذن أوضح وإن كان المنع أحوط وقد يخص المنع ببلد الأفضل ووجهه غير ظاهر لامكان الاطلاع على فتاوي غير الحاضر بالرجوع إلى النقلة عنه وإلى كتبه التي حررها لبيان فتاويه نعم يتجه ذلك في الحكومات لتعذر وصول غير أهل بلده إليه غالبا مع ما في تأخير الحكومة إليه من الضرر المنفي وكذلك الولايات حيث لا يوجد منه منصوبة على إشكال في ترجيح منصوبة على تقدير وجوده لا سيما إذا لم يكن أورع من المفضول ثم على تقدير المنع فهل يمنع من الرجوع إلى المفضول مطلقا فيلزم المقلد بالتفتيش والاستعلام أو تخصه بما لو علم بأفضلية البعض وجهان ظاهر الأدلة يقتضي الأول ثم على تقدير العلم بأفضلية البعض فهل يمنعه من الرجوع إلى المفضول مطلقا أو نخصه بما لو علم بمخالفة الأفضل له في الفتوى وجهان أيضا وظاهر بعض الأدلة المذكورة يقتضي الأول ولو كان أحد المفتيين أفقه من الاخر والاخر أورع منه فالظاهر التخيير مع احتمال تقديم الأفقه لان مدخلية الفقه في معرفة الحكم أكثر من مدخلية الورع فيها وهل العبرة في الأفقه بأن يكون أفقه في أغلب المسائل أو يكفي كونه أفقه ولو في المسألة التي يرجع فيها وجهان أظهرهما في كلامهم هو الأول وقضية بعض الوجوه السابقة هو الثاني وعلى تقديره فالظاهر تعيين الأفقه في البعض بالنسبة إلى البعض الذي هو أفقه فيه حتى إنه لو كان أحدهما أفقه في مباحث الطهارة والاخر في مباحث التجارة تعيين تقليد كل منهما فيما هو أفقه فيه وتخير في الباقي في الرجوع إليهما وإلى من يساويهما فيه ولو كان أحدهما أفضل في بعض العلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد كالعلوم العربية وعلم الأصول والرجال فلا يبعد إلحاقه بالأفقه من هذه الجهة لما فيه من مزيد بصيرة في الفقه ولو كان الاخر أفضل منه في علم آخر من تلك العلوم لم يبعد الترجيح بزيادة الأفضلية ويكون ما فيه الأفضلية أدخل في الفقه كالأصول بالنسبة إلى النحو والصرف وأما العلوم التي لا مدخل لها في الاستنباط كعلم الهندسة والحساب فلا مدخل لها من حيث نفسها في الترجيح وقد يتحقق الأفضلية في الفقه باعتبار قوة الحفظ أو الذكاء أو كثرة التأمل أو كثرة الاطلاع أو سعة الباع في الفكر والتصرف أو اعتدال السليقة أو زيادة التحقيق أو التدقيق أو أقدمية الاشتغال ومزيد الاستئناس وقد يتحقق التعارض بين هذه الوجوه والتحقيق أن المرجع في ذلك كله إلى ما يعد صاحبه أفقه عرفا وضبطه على وجه يستغني معه من الرجوع إليه متعذر على الظاهر وكذلك الحال في الأورعية فإنها قد يطرد في جميع الأحوال والأعمال وقد يختلف باختلاف الأحوال والأعمال والمرجع إلى ما ذكرناه ولو قلد المفضول ثم وجد الأفضل ففي جواز العدول إليه بناء على المنع منه وجهان وكذا لو قلد الأفضل ثم تسافل فصار مفضولا واعلم أن الشهيد الثاني عد في أول كتاب القضاء من الروضة في شرائط الافتاء الذكورية وطهارة المولد والنطق والكتابة والحرية وادعى الاجماع على الأولين والشهرة على الأخيرين فيمكن أن يريد بالافتاء القضاء وأن يريد به مطلق الفتوى كما هو الظاهر ثم على التقدير الثاني فهل يعتبر هذه الشرائط في اعتبار فتواه مطلقا أو بالنسبة إلى غيره خاصة وجهان أظهرهما الثاني ووجهه ظاهر وأما الشرائط المعتبرة في الحكم المستفتى عنه فمنها أن لا يكون معلوما للمقلد بطريق آخر غير التقليد فيه سواء كان معلوما عنده ابتدأ كالاحكام الضرورية والاجماعية عنده أو لقيام دليل عليه علم بحجيته لا من جهة التقليد كما في المتجزي الظان بحجية ظنه عند انسداد باب العلم في ذلك عليه مع علمه حينئذ بوجوب التعويل على الظن أو الشاك في حجية ظنه مع علمه حينئذ بالتخيير واختياره التعويل على ظنه أو علم بحجيته من جهة التقليد كما لو قلد في مسألة التجزي من يقول بجوازه حيث يكون وظيفته التقليد فيه وقد سبق التنبيه على ذلك ومنها أن لا يكون المقلد قاطعا بفساده وقد مر ولا عبرة بظن الفساد ويلزم القائل بحجية التقليد من حيث إفادته الظن بالحكم اشتراط عدم الظن بالفساد أيضا بل يلزمه اشتراط الظن به وعليه فلو لم يحصل له الظن بشئ من فتاوي المفتين لم يجز له العمل بها وهو كما ترى ومنها كونه من المسائل التي يحتاج إليها في العمل سواء كان من المسائل المحررة في هذا الفن كمسألة التجزي ومباحث التقليد أو في غيره كمسائل الفقه ومباحث الأخلاق دون مسائل أصول الدين ونحوها اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع اليقين نعم لو استفاد بالتقليد اليقين جاز التعويل عليه في أصول الدين عند البعض وقد مر الكلام فيه